الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

204

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . أرشد اللّه المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ : بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر ، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم ، وقوله لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلّا أذى ، فالأذى ضرّ خفيف ، فلمّا انتفى الضرّ الأعظم الّذي يحتاج في دفعه إلى شديد مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق ، كان انتفاء ما بقي من الضرّ هيّنا ، وذلك بالصّبر على الأذى ، وقلّة الاكتراث به ، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّا عظيما . وفي الحديث : « لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللّه يدعون له ندّا وهو يرزقهم » . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : لا يَضُرُّكُمْ - بكسر الضاد وسكون الراء - من ضاره يضيره بمعنى أضرّه . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف - بضم الضاد وضم الراء مشدّدة - من ضرّه يضرّه ، والضمّة ضمّة اتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين : سكون الجزم وسكون الإدغام ، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثة وجوه في العربية : الضمّ لاتباع حركة العين ، والفتح لخفّته ، والكسر لأنّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين ، ولم يقرأ إلّا بالضمّ في المتواتر . [ 121 ، 122 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 121 إلى 122 ] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) وجود حرف العطف في قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل وَدُّوا ما عَنِتُّمْ [ آل عمران : 118 ] ومثل يَفْرَحُوا بِها [ آل عمران : 120 ] وعليه فهو آت كما أتت نظائره في أوائل الآي والقصص القرآنية ، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير : واذكر إذ غدوت . ولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممّا بعده لأنّ قوله : تُبَوِّئُ لا يستقيم أن يكون مبدأ الغرض ، وقوله : هَمَّتْ لا يصلح لتعليق إِذْ غَدَوْتَ لأنّه مدخول ( إذ ) أخرى . ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين ، المنافقين ، ولمّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدا ، ودخيلتهما